0%

بُن جازان.. كما يزرعه جبران

مزرعة ريد مريم على قمم الداير

99

 

كيف لك وصف ليلة تنام فيها بلا تكييف أو شبكة جوال أو إنترنت على صوت الهواء وهو يمسح على رؤوس أشجار البن والقمح وعلى ارتفاع شاهق بارد مطل ترى فيه النجوم ليلاً أقرب إليك من سقف الغرفة ! . 

تلك كانت ليلتي التي قضيتها في بيت العم جبران الخالدي وكرمه المتأصل منذ أصالة تلك الجبال وساكنيها، منذ كرم الأرض عليهم، بجذورها العميقة التي لا يدرك هو بنفسه قدمها وتاريخها كلما سألته عن أصل تسمية ريد مريم بهذا الإسم ومن هي مريم ؟ 

هنا القرية، حين يوقظك الفجر ويدعوك الصباح ويبهجك العصر ويغفو بك المساء على قمم تجذر فيها آل قطيل بكرمهم وضيافتهم وقهوتهم الفريدة .

 

 

لحظة وصولي لقرية آل قطيل (ساعتين بطريق وعر بالسيارة عن مدينة جيزان) على إحدى قمم جبال الداير بني مالك اصطحبني العم جبران أنا وصديقي فيصل الراكضي في جولة سريعة نحو مزرعته القريبة خلف بيته ليطلعني كيف تبدو كرزات البن نضارة ونضجاً في هذا الوقت من السنة، حيث كان من المقرر أن أزوره قبل هذا اللقاء بسنة وكل مرة يتأجل موعدنا ! 

شعور البهجة حين ترى البن في كامل تألقه على أرض من الوطن ينبت بكل حب وعناية واهتمام، كشعوري حين شاهدت البن لأول مرة في كينيا وقبله في اليمن.

يتحدث العم جبران عن بداية موسم الحصاد كحديث الأب في حفل تخرج أبناءه ! وهو يقدم لنا الأشجار كل واحدة بتاريخها بمحصولها بقصتها، يتحدث بزهو وفخر عن الجودة التي يسعى لها والتطوير الذي سيجنيه من شجرة كريمة كشجرة البن .

المزرعة اليوم قدمت للعم جبران تجربة حرة ليست مقيدة كما يقول فبعد تقاعده من التعليم أصبح حراً طليقاً يتنقل بين أشجاره ويؤدي واجبه تجاهه بانتظام ويعود لبيته متى ما أراد.

يذهب إلى حوش أغنامه وينتقي لنا أجودها التي ترعى من خيرات أرضه، ويطبخه لنا كما يحب لمن يحب، لحم بلدي لتيس صغير طري يذبحه ويسلخه في وقت قياسي تتجلى خبرة التقطيع والسلخ أمامنا ثم ينتقي من لحمه أطيبه ليطبخه في التنور الذي صنعه بيده خالطاً مع اللحم بعضاً من أوراق الغلف التي تضفي نكهتها للحم على طريقة أهل الجبال وذائقتهم في تقديم اللحم. على سفرة أنيقة بسيطة تشبهه يزينها طبق الفواكه والدقيق والمرق والسلطات تتوسطها ذبيحتنا التي أكرمنا بها العم جبران .

 

 

يوم جديد في المزرعة على رشات المطر مع تكبيرات مسجد القرية الصغير الذي يؤمه العم جبران حيث يتجه نحو البيت ليغير ملبسه ويحمل إناء برتقالي يجمع ما استوى من كرزات البن، ويشذب أشجارها وأغصانها ويصلح تربتها بيديه بعد خلطها بسماد عضوي يقوم بإنتاجه بنفسه حيث يخلطه مع بقايا حوش أغنامه ليصنع تربة عضوية بسماد غني للنبات .

 

 

في موسم الحصاد الذي يمتد إلى ٤ أشهر في الشتاء يبادر هو وبعض العمال لجني الفروع حيث تبدأ الأشجار بحمل البن وكرزاته بغزارة يوماً بعد يوم ويتسابق لالتقاطها من الأغصان قبل أن تأتي الريح فتجففها سريعاً وتسقطها أرضاً. 

يحدثني هذا الحديث وهو يشير إلى شتلة صغيرة خرجت بعد أن سقطت إحدى كرزات البن قبل أيام وأصبحت شتلة صغيرة حيث إحدى بركات البن حين تغرسها اليوم تجدها شتلة بعد أيام بلا تلقيح وبلا معالجة وبلا تدخل بشري !

يلتقطها بكل حب لينقلها لمكان أكثر مناسبة لها ويسميها (جمان) تيمناً بإبنتي الصغيرة !.

 

يقدم العم جبران البن بطريقة أكثر تطوراً من ما سبق وذلك بعد أن اكتسب خبرته من دورات مبادرة أرامكو التي قدمتها للمزارعين قبل سنوات عن طريق متخصصي القهوة في كال (علي الديواني) حيث يقوم بنشر البن على أسرة تجفيف أفريقية الأسلوب تسمح للبن بأن يتشرب المادة السكرية بطريقة بطيئة وسليمة عكس التجفيف الذي يواجه الشمس مباشرة، حيث تأخذ منه هذه الطريقة ٢١ يوماً من التجفيف على عكس السابقة ٦ أيام.

 

 

البن بأصوله العربية شجرة مباركة جمعت الناس ونقلت التراث وآنست المسافر وآلفت الولهان عبر الأزمان حتى وصلت اليوم إلى مرحلة عالية من التفاخر في التقديم مع جودة محصول لا تصدق بأن تلك الحبات الصغيرة قد تمنحك هذا المزيج من الإيحاءات، ورغم دخول الطمع التجاري والغش إلى هذه النبتة إلى أن التنوع في طريقة تقديمها وصنعها وشربها جعلها متعة من متع الحياة ولوناً من ألوان الكرم ولقاءات ثقافات الشعوب.

 

 

العم جبران تقاعد من مهنة التدريس ليحلق بحريته في حقول أشجاره سعياً منه لصنع محصول يفاخر به السعوديون في المزادات العالمية ، وتجربته الشخصية تستحق الاحتفاء من خلال دعم محمصته ومزرعته ولو بالحديث عنها، حديثه عن التجارب السابقة (رغم عدم اكتمالها) له في تقديم محصوله يدفعنا للبذل أكثر لتقديمه للناس.

سعيدون في مكانة وقمرة لنقل الصورة الجميلة لمزارع البن في الداير وجازان عبر هذا التقرير والفيلم وحتى المبادرات الاجتماعية التي أعلنا عنها في يوم القهوة العالمي ١ اكتوبر الماضي، وسترى النور قريباً في أجمل قالب بدعم وزارة البيئة والمياه والزراعة وغيرها من الجهات التي تبنتها.

الداير بني مالك | جازان | ١٨/٩/٢٠١٨م

شكراً :
– فيصل الراكضي .
– علي الديواني .
– عبدالعزيز الريثي .
– عودة العودة .

روابط:
جبران الخالدي | أذواق النخبة  | مكانة

مؤسس فانوس . مهتم بالفنون البصرية . صانع أفلام أحياناً ومصور أحيان كثيرة !
موقعي الشخصي مستراح للقصص المصورة

No more articles